الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
322
تفسير روح البيان
ونياتهم من جهة الشيطان فضلوا طريق الهدى والسنة نسأل اللّه سبحانه ان يجعلنا على صراطه المستقيم الذي سلكه أهل الدين القويم ويهدينا إلى الأعمال الحسنة ويحلينا بالأخلاق المستحسنة وَاللَّهُ وحده وهو مبتدأ خبره قوله الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ الإرسال في القرآن على معنيين . الأول بمعنى [ فرستادن ] كما في قوله تعالى ( إِنَّا أَرْسَلْناكَ ) * . والثاني بمعنى [ فرو كشادن ] كما في قوله تعالى ( أَرْسَلَ الرِّياحَ ) وفي المفردات الإرسال يقال في الإنسان وفي الأشياء المحبوبة والمكروهة وقد يكون ذلك للتسخير كارسال الريح والمطر وقد يكون ببعث من له اختيار نحو إرسال الرسل وقد يكون ذلك بالتخلية وترك المنع نحو ( أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ ) والإرسال يقابل الإمساك . والرياح جمع ريح بمعنى الهواء المتحرك أصله روح ولذا يجمع على أرواح واما أرياح قياسا على رياح فخطأ قال صاحب كشف الاسرار [ اللّه است كه فرو كشايد بتقدير وتدبير خويش بهنگام دربايست وباندازهء دربايست بادهاى مختلف از مخارج مختلف ] أراد بها الجنوب والشمال والصبا فإنها رياح الرحمة لا الدبور فإنها رياح العذاب اما الجنوب فريح تخالف الشمال مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا واما الشمال بالفتح ويكسر فمهبها بين مطلع الشمس وبنات النعش أو من مطلع الشمس إلى مسقط النسر الطائر ولا تكاد تهب ليلا واما الصبا فمهبها من جانب المشرق إذا استوى الليل والنهار سميت بها لأنها تصبو إليها النفوس اى تميل ويقال لها القبول أيضا بالفتح لأنها تقابل الدبور أو لأنها تقابل باب الكعبة أو لان النفس تقبلها فَتُثِيرُ سَحاباً تهيجه وتنشره بين السماء والأرض لانزال المطر فإنه مزيد ثار الغبار إذا هاج وانتشر ساطعا قال في تاج المصادر [ الإثارة : برانگيختن كرد وشورانيدن زمين وميغ آوردن باد ] والسحاب جسم يملأه اللّه ماء كما شاء وقيل بخار يرتفع من البحار والأرض فيصيب الجبال فيستمسك ويناله البرد فيصير ماء وينزل وأصل السحب الجر كسحب الذيل والإنسان على الوجه ومنه السحاب لجره الماء وصيغة المضارع مع مضى أرسل وسقنا لحكاية الحال الماضية استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة ولان المراد بيان إحداثها لتلك الخاصية ولذلك أسند إليها فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ السوق بالفارسية [ راندن ] والبلد المكان المحدود المتأثر باجتماع قطانه وإقامتهم فيه ولاعتبار الأثر قيل بجلده بلد اى اثر والبلد الميت هو الذي لانبت فيه قد اغبر من القحط قال الراغب الموت يقال بإزاء القوة النامية الموجودة في النبات ومقتضى الظاهر فساقه اى ساق اللّه ذلك السحاب وأجراه إلى الأرض التي تحتاج إلى الماء وقال فسقناه إلى بلد التفاتا من الغيبة إلى التكلم دلالة على زيادة اختصاصه به تعالى وان الكل منه والوسائط أسباب وقال إلى بلد ميت بالتنكير فصدا به إلى بعض البلاد الميتة وهي بلاد الذين تبعدوا عن مظان الماء فَأَحْيَيْنا الفاءات الثلاث للسببية فان ما قبل كل واحدة منها سبب لمدخولها غير أن الأولى دخلت على السبب بخلاف الأخيرتين فإنهما دخلتا على المسبب بِهِ اى بالمطر النازل من السحاب المدلول عليه بالسحاب فان بينهما تلازما في الذهن كما في الخارج أو بالسحاب فإنه سبب السبب الْأَرْضَ اى صيرناها